البيجامة: فاصنع ما شئت

منذ أن كنت صغيرا كان فضولي يتجاوز عالم الأفكار إلى عالم العلاقات وارتباط العلاقات الانسانية والمجتمعية بانتشار أفكار معينة، ومنها أتفهم وجود سلوكيات معينة ناتجة عن تشكيل وعي جمعي نشأ عن هذه العلاقات وهذه الأفكار ..

بالطبع .. لم أكن أستطيع تنظير هذا الفضول أو شرحه كما شرحته سابقا إلى أن عرفت أن هناك علم الاجتماع الذي يؤصل هذا العلم .. ومن أفضل من قرأت لهم في الحضارة حقيقة هو “المهندس” مالك بن نبي، وكذلك بعد ان تعلمت من الباحث في علم النفس المجتمعي والسياسي الدكتور رفيق حبيب ..

المهم … لماذا هذه المقدمة؟؟
يقف أمامي الحديث : “إذا لم تستح فاصنع ما شئت” – وهو من الأحاديث التي أضعها في التعريف الخاص بي على الفيس بوك منذ أن أنشأت حسابي لأنه قد وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه “من كلام النبوة الأولى” – كحديث معجز في ذاته وفي وصفه وفي دلالاته والحكمة التي فيه ..

فالحديث لا يصف فقط خلق الحياء أنك لو استحييت ممن هم حولك فلن تقوم بالسئ فقط ..
بل هو يؤكد أن في حالة انتفاء خلق الحياء يقوم الانسان بما شاء .. فهو على معنيين ..

وفي المجتمعات وعالم العلاقات .. لو كان أوساط الناس ومعتادهم المعصية .. انتشرت وسطهم المعصية وقام بها الانسان بلا تحرج ممن حوله ..

فلو كان الطبيعي أن الصديقات غير محجبات .. كان عدم الحجاب سهلا .. أو التخفف من الحجاب سلسا .. بل أن الحجاب نفسه قد يكون نوعا من الفضل في مثل هذا الوسط ..
لو كان الطبيعي وسط الصحبة السباب والفحش من القول .. كان من غير الطبيعي عدم استخدام هذه الألفاظ في الحديث .. بل أن الكلام بدون فحش يصير فضلا ويعتبره البعض تعاليا .. والكلام بصوت خفيض وقدر الكلام يصير نوع من الكبر أو الاستعلاء أو قلة في الرجولة .. فيصير الحياء من عدم استخدام هذه الألفاظ أولى ..
ولو كان الوسط طبيعي فيه ارتداء الثوب وغطاء الرأس واطلاق اللحية .. صار اللباس العادي من بناطيل الجينز والتي شيرت وعدم تغطية الرأس وحلق اللحية نوع من العزلة الشعورية ويستحيي المرأ ممن حوله ..
ونجد كذلك أن هناك من يدخنون بنفس هذا المنطق .. حيث أن من يعرضون عليهم المشاركة في الدخان يمثلون ضغطا اجتماعيا .. كبيرا .. وكذلك المخدرات أولى خطواتها تأتي من مثل هذا الضغط .. الخجل أن يكون هو وحده الذي لم يجرب وسط “أقرانه”

فصار في ذهني هذا الحديث كدلالة على الضغط الاجتماعي في معنى ثالث عن المعنيين السابقين ..

وكتجربة شخصية فالسلوك يختلف من صحبة لأخرى .. حيث أن الصحبة التي تعلي من شأن العلم تحمل المرء لكي يعمل على طلبه والوصول للمعالي فيه .. ويصير الحياء هو التكلم بجهل .. والصحبة التي لا تعلي من شأن صلاة الجماعة وتهجر المساجد .. تجد الحياء معهم هو أن تتفرد بصلاة الجماعة وقطع الجلسة معهم لتدركها في المسجد بحجة أنك ستصلي معهم وقت أن يقرروا أن الصلاة جاء وقتها .. وكذلك تحديد حدود الاخنلاط وما هو مباح وممكن مما هو غير ذلك من مجموعة إلى أخرى .. وهكذا ..

ولذلك فالصحبة أو الأقران هم من يحدد من أنت .. وما هي حدودك وما هو ما تستحيي منه وما تعتاده .. حدودك هي ما تعتاده في صحبتك ..

ولذلك تحرص الجاهليات والوثنيات والأفكار الضالة على صيانة علاقاتهم الاجتماعية ونشر أفكارهم من خلال أنديتهم وجمعياتهم وأحزابهم ومؤسساتهم وشبكات مصالحهم .. وتجد أن ضعاف الايمان لا يقدرون على قطع علاقاتهم وتغيير أفكارهم لوجود مصالح مباشرة ستنقطع بمجرد تغيير الأفكار .. لأن هناك خوف من تغيير الأفكار في هذا الوسط وهو ليس حياء فطري مقبول بل خشية مشبوهة من انقطاع الأسباب بتغيير القناعات .. فعبر الله عنها بلفظ الاستخفاء “”يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ ” سورة النساء وذلك لأنه عكس الفطرة السوية ..

وإذا قوي الايمان عند المرء صار الحياء من الله أقوى .. فصارت الهجرة من الذنوب والمعاصي هي الهجرة…. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم” لا هجرة بعد الفتح؛ لكن جهاد ونية ” متفق عليه. ولذلك فعلى من يتوب إلى الله أن يحذر صحبته ويناصحها ويأخذ على يدي الناس حتى يرجعوا .. مع التواجد في صحبة أفضل لا تأتي هذه الذنوب والمعاصي والمخالفات ..

ولذلك فالصحبة والأقران والعلاقات يجب أن تكون كلها في الله ولله .. فقد قال تعالى فيمن كان قبلنا : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [ المائدة ].
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، قال يزيد: وأحسبه قال في أسواقهم، وواكلوهم، وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً، فجلس، فقال: «لا، والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم على الحق أطراً»

وفي حديث آخر قال رسول الله : «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا، اتقِ الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله، وشريبه، وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ]لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ إلى قوله ]فاسقون[، ثم قال: «كلا والله، لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يد الظالم، ولتأطرنَّهُ على الحق أطراً، أو تقصرُنَّه على الحق قصراً»

ولذلك فعلى الناس ملازمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحماية فطرتك وحياؤك، وملازمة جماعة الخير والمؤمنين التي تقبل ذلك، تأتمر إذا أُمرَت وتنتهي إذا نُهيَت، لا تستكبر أن يتناصح فيها الناس مع اختلاف مراتبهم.

ولذلك فالمرجعية في الحياء هي الحياء من الله، وهي كما وصف رسولنا صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال “استحيوا من الله حق الحياء “فقلنا يا نبي الله إنا لنستحيي قال:” ليس ذلك ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ومن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء” هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (المستدرك على الصحيحين) ويترجم ذلك الصالحون من عصرنا ومجتمعاتهم وما يقبلونه من طيب ويوافق الشرع فهو طيب وما يستقبحونه وليس من الشرع فهو القبيح : عَنْ سَعِيدِ بن يَزِيدَ الأَزْدِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْصِنِي ، قَالَ : أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ .

يقول الراغب الأصفهاني رحمه الله :
“حق الإنسان إذا همَّ بقبيح أن يتصور أجل من في نفسه حتى كأنه يراه ، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه ، ولذلك لا يستحي من الحيوان ، ولا من الأطفال ، ولا من الذين لا يميزون ، ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل ، ومن الجماعة أكثر ما يستحي من الواحد. ”

وفي ذلك قال ابن القيم ..

فرحك بالذنب
اشد على الله من الذنب
………………..
وضحكك وانت تقوم بالذنب
اشد عند الله من الذنب
…………………
وحزنك على فوات الذنب اذا فاتك
اشد عند الله من الذنب
………………
وحزنك على فوات المعصية
اثـــــقل من المعصية ذاتها فى الميزان
……………………..
وحرصك ان تستر نفسك وانت تقوم بالذنب
اشد عند الله من الذنب الف الف مرة
……………………….
أتخاف الناس ؟..أتستحي من الناس ؟؟..ولا تستحي من ربك؟؟؟؟؟

ولذلك يمثل الحديث ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) رواه البخاري، قيمة عليا يعيش في معيتها الانسان المسلم تصونه فيها العلاقات مع المؤمنين ونشر الأفكار الموافقة لأصول الدين لحماية فطرته .. وانتشار الأمر بالمعروف النهي عن المنكر كصيانة لهذا المجتمع .. ونشر الدعوة للتوسع فيه وتشبيك المجتمع الانساني في هذه المعاني الكبرى لتحقيق غاية الله منه ..

اللهم تب علينا لنتوب .. توفنا مسلمين واحشرنا مع الصالحين

Advertisements

About Sharaf شرف

Change is a life essential, if you do not master making it.. you will be affected by it.. In other words.. Lead, follow.. or get out of my way.. التغيير في الحياة شئ أساسي، اذا لم تتقنه، فرض عليك اما أن تقود، واما أن تقاد، واما أن تذهب بعيدا عن طريقي

Posted on 27 مارس 2013, in كتابات, المجتمع and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: